أبي نعيم الأصبهاني

107

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له : ما أقدمك ؟ قال : خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية حتى ألقى اللّه عز وجل . قال : فبكى هارون بكاء شديدا ، ثم قال له : زدني رحمك اللّه ، فقال : يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صلى اللّه عليه وسلم جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه أمرني على إمارة ، قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الامارة حسرة وندامة يوم القيامة ، فان استطعت أن لا تكون أميرا فافعل » . فبكى هارون بكاء شديدا فقال له : زدني رحمك اللّه ، قال : يا حسن الوجه ، أنت الذي يسألك اللّه عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة ، فان استطعت أن تقى هذا الوجه من النار ، فإياك أن تصبح وتمسى وفي قلبك غش لأحد من رعيتك ، فان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة » . فبكى هارون وقال له : عليك دين ؟ قال : نعم ! دين لربى لم يحاسبنى عليه ، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني ، والويل لي إن لم ألهم حجتي . قال : إنما أعنى من دين العباد ، قال : إن ربى لم يأمرني بهذا ، انما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره ، فقال جل وعز ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) فقال له : هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقوّ بها على عبادتك ، فقال : سبحان اللّه ! أنا أدلك على طريق النجاة ، وأنت تكافئنى بمثل هذا ؟ سلمك اللّه ووفقك . ثم صمت فلم يكلمنا ، فخرجنا من عنده ، فلما صرنا على الباب قال هارون : إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا ، هذا سيد المسلمين ، فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت : يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال ، فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به ؟ ! فقال لها : مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه ، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه . فلما سمع هارون هذا الكلام قال : ندخل فعسى أن يقبل المال ، فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه ، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت : يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة ، فانصرف